الشيخ الجواهري

126

جواهر الكلام

صدقة ، ومنه الزكاة والكفارة ونحوهما ، فالابراء حينئذ منه ما هو صدقة ، ومنه ما هو ليس كذلك ، وكذلك الهبة والوقف ، وحينئذ فيجري على كل منها أحكام ذلك إلا الرجوع بها حيث تقوم مقام الهبة للعلة التي سمعتها ، وليست هي عقدا مستقلا تقوم مقام المذكورات على نحو الصلح ، كما عساه يظهر من أفرادها بكتاب عن الهبة واطلاقهم كونها عقدا ، لكنه ليس في محله عند التأمل ، وإلا لاحتاجت إلى القبول في قيامها مقام الابراء ، ومن المعلوم خلافه ، بل لم يجر حكم الابراء حينئذ على ما كان صدقة منه وكذا الوقف والهبة ، وبذلك يظهر أن ذلك ليس ممنوعا لها عنها ، كما أومئ إليه الفاضل وغيره فيما سمعته من الحنث بالصدقة لو حلف أن لا يهب ولا يهدي . وبذلك يظهر لك النظر فيما ذكره في جامع المقاصد حيث قال : " إن ما ذكروه في الاحتجاج على أن الابراء لا يحتاج إلى القبول ، وهو قوله تعالى ( 1 ) " وأن تصدقوا خير لكم " حيث فسروا الصدقة هنا بالابراء ، يقتضي عدم اشتراط القبول ، ولا نية القربة " . إذ هو كما ترى لا يقتضي إلا عدم اعتبار القبول في هذا القسم خاصة وأما اعتبار القربة فهو من مقوماتها دونه ، فليس كل ابراء صدقة ، ولا كل صدقة ابراء ، وكذلك الهبة والوقف ، بل بينها وبين هذه العموم من وجه ، لما عرفت من صدق الصدقة على ما لا يندرج في شئ منه ، فليست هي إلا لمعنى متحد شامل للجميع ، وهذه أفراده ، وكل فرد منها داخل تحت اسم آخر يلحقه حكمه ، وإن سمى باعتبار قصد القربة فيه أنه صدقة ، إلا أن ذلك كله مناف لظاهر جعلها عقدا مستقلا عن الهبة ، الظاهر في مباينتها لها ، وأن التميز بينها وبين الهبة بالقصد وإن اتحد موردها ، وحينئذ لا تجتمع الصدقة العقدية مع غيرها من العقود أصلا ، والهبة قربة إلى الله تعالى مع عدم القصد بأنها صدقة تكون هبة لا صدقة ، وبالعكس صدقة لا هبة . وبذلك يظهر النظر في جملة من الكمات السابقة ، ولعله إلى ذلك يرجع ما في المسالك وإن كان هو لا يخلو من نظر من وجه آخر ، قال : قد يلوح من بعض كلامهم

--> ( 1 ) سورة البقرة الآية - 28 .